منظمة شعب الأندلس العالميةORGANIZACIÓN MUNDIAL DelPUEBLO De AL-ANDALUS
مرحبا بك في موطنك الافتراضي الأندلس، على قول المثل: "تفاءل بالخير تنله". نرجو أن تستفيد وتفيد في إطار أخوي هادف
http://smiles.a7bk-a.com/smile_albums/welcoms/11921929472176.gif

الأندلسيون في بنغازي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الأندلسيون في بنغازي

مُساهمة من طرف د. جمال بن عمار الأحمر في الأحد 25 أكتوبر 2009, 22:43

الأندلسيون في بنغازي


كيف خاضت بنغازي تاريخها؟ (*)

الكاتب الليبي: مفتاح السيّد الشريف




في عهد بطليموس ضُمّت برقة عام 96 للميلاد إلى طرابلس الواقعة تحت سلطة الإمبراطورية الرومانيّة ومنذ ذلك الحين تعاقب على حكمها أباطرة مشهورون هم: أغسطسAugusto؛ كلاوديو Claudio؛ فيسباسيانوVespasiano؛ أدريانو Aderiano؛ أنتونيو بيو Antnio Pio.

وقد شهدت مجدها الحضاري وازدهارها الإقتصادي آنذاك(1) ثم ران عليها العهد البيزنطي. وبعد الفتح الإسلامي توالت على برقة،ومعها طرابلس الغرب كما هو معروف،عهود الخلافة الأمويّة ثم العبّاسيّة. وفي ظلّها عانت بل وتمزّقت تحت حكم الإخشيديين حوالي العام 935 للميلاد. وفي فترة الحكم الأيوبي-أي قبل غزوة بني هلال وبني سليم المعروفة- كانت أوضاع المدن الخمسة (بينتابوليس) الرئيسية للإقليم كما يلي: بنغازي ،التي شيّدها عام 515 قبل الميلاد المعمّرون الإغريق المتحدّرون إليها من شحّات والمرج كما يُعتقد،على الضفّة الشمالية لملاّحة (صبخة) السلماني. وقد حلّت محل بركة Tritonis العتيقة –أي في الموقع الحالي المقامة عليه مقبرة سيدي عبيد – وسمّوها حسب هيرودوت Euesperides (هيسبيريديس أو هيوسبيريديس). وابتداء من العام 247 قبل الميلاد سُمّيت (برنيق) Berenich تيمّنا باسم زوجة بطليموس الثالث PtolemyIII ملك مصر، وهي إبنة ماجاس Magas رئيس جمهورية برقة وأخ الملك بطليموس. فعندما مات ماجاس عام 259 ق. م. تزوّج بطليموس بها وضمّ برقة إلى مملكته. واستمرّ إسمها (برنيق) حتى العام 643 للميلاد،أي بداية الفتح العربي الإسلامي. ولذلك ذكر عدد من الجغرافيين والرحّالة العرب الذين مرّوا وتجولّوا في الإقليم، إسم برنيق بشكل متباين فاليعقوبي،الذي نبغ في القرن التاسع الميلادي، تحدّث عن "برنيق وهي مدينةعلى ساحل البحر المالح ولها ميناء عجيب في الإتفاق والجودة،وأهلها خليط من الرّوم القدماء والبربر" والإدريسي الذي نبغ في القرن الثاني عشر وصف المنطقة ما بين برقة إلى الإسكندرية بأنها (أرض برنيق)، كما تحدّث إبن خلدون عن (صحراء برنيق). وقد ذكر المؤرّخ الإيطالي فالوري ، أنه كان يقيم بها - بعد الفتح العربي- أمير له إستقلال ذاتي عن مصر وإن كانت سلطته لا تتعدّى نطاق المدينة. وقد احتلّت أهمية بفضل مينائها الذي كان منفذا لتصدير منتجات جالو وأوجله.

وبعد ذلك واعتبارا من عام 643 ميلاديّة تدهورت كما يبدو أحوال برنيق وأفُل نجمها، إذ اتّخذ الفاتحون العرب المرج وإجدابيا عاصمتين لهم في الإقليم،وإن استعادت مكانتها بعد إضمحلال مكانة إجدابيا في منتصف القرن الثاني عشر. وحوالي العام 1461 توطّننت فيها جماعات من التجّار من تاجوراء ومسلاّته وزليطن،التي كوّنت أوّل مجتمع حديث للمدينة، وسمّوها (كوّة الملح). وهو الإسم الذي سبق (مرسى إبن غازي) التسمية الرابعة،أو بالأحرى الثالثة الرئيسية،والتي تطوّرت إلى ( بنغازي) الحالية. وهذه التسمية وُجدت لأوّل مرّة – كما اكتشف المستشرق الإيطالي الشهير نالّلينو – على خريطة وضعها عام 1579 الجغرافي التونسي علي بن أحمد بن محمد الشرفي من صفاقس.

وابن غازي هو اسم وليّ أصله من مكناس بالمغرب الأقصى، ويوجد ضريحه بمقبرة (خريبيش) المعروفة ؛ المرج Barce ، وقد أجمع الرحّالة العرب على الإشادة بخصوبة تربتها ووفرة منتجاتها،ويبدو أنها كانت دائمة العمران بالإنتاج والسكّان، وتروج تجارتها مع مصر؛ فالكرخي الذي نبغ حوالي950 يقول عنها في (المسالك والممالك): "كان يخرج إليها عامل من مصر، إلى أن ظهر المهدي عبيد الله المستولي على المغرب، فاستولى عليها وأزال عمّال مصر". ومنذ ذلك الوقت أصبحت مركزا أو عاصمة للحّكام الفاطميين في الإقليم ومن أعقبهم من حكّام العهود الإسلامية اللآحقة وقد نالت إجدابيا شهرة واسعة، وكانت مركزا للحكم أيضا أثناء تلك العهود ؛ طلميثة Tolemaide وكانت ميناء للمرج ومرفأ ضروريّا تلجأ إليه السفن العابرة والقادمة من مصر؛ شحّات Cirene عاصمة الإقليم العتيقة هُدّمت وأصبحت أطلالا ؛ أما درنة فقد أضحت مهجورة من السكّان.

وما عدا تلك الاستثناءات المذكورة؛ فإن الازدهار الذي عمّ برقة في العهد الإغريقي الرّوماني اختفى ؛ فأشجار الزيتون أُهملت وتوقّف إنتاجها،وآلاف صهاريج المياه طمرت وعلاها التراب.

وبسبب انعدام وجود حكم مركزي وإنعدام الأمن أضطرّ السكّان لهجر الزراعة واللّجوء إلى ممارسة الغزوات والغارات كوسائل للبقاء والعيش. والتجارة الوحيدة التي بقيت كانت تصدير المنتجات الحيوانيّة الخام كالصّوف والجلود، وحيوانات الصّيد من الغابات التي كانت منتشرة في ذلك الزمن الغابر. وقد عقدت جمهورية جنوه الإيطالية عام 1216 إتفاقية مع أمير بنغازي آنذاك أبي زكريّا يحي، تمّ بموجبها احتكار جنوه لتسويق هذه المنتجات بحكم نصوص الإتفاقيّة التي تُقصر شحنها على سفن تلك الجمهوريّة فقط ، وبفضل هذه الإتفاقية أتيح لتجّارها الرّسو في ميناء بنغازي، ومنها التوغّل في الجبل الأخضر والواحات. (3)

على أن محمد بازامه في كتابه (بنغازي عبر التاريخ) يرفض هذه الرّواية ويعتبرها مدسوسة! إذ يقول إنه اطلّع على وثيقة الإتفاقية المذكورة ولم يجد فيها ذكرا لبرنيق،وجاء خبر توقيعها في 10 يونيه عام 1236 من قبل أبي زكريا يحي أمير أفريقيا.

وقال بازامة :"والحديث فيها منصبّ على طرابلس وباجه ثم سائر الساحل من غير تحديد بالإسم لأي مكان"(4)

إلاّ أن المؤرّخ الإيطالي في رأينا لم يخرج عن الصواب، إذ كان كتابه مخصّصا لبرقة. وكون بنغازي ميناءها الرئيسي آنذاك، فمن البديهي أن تصدّر منه المنتجات البرقاويّة التي شملتها الإتفاقية حتى دون ذكر اسمه. يُضاف إلى ذلك أن المؤرّخ المذكور وثّق روايته بالعديد من المراجع التاريخيّة وأهمّها الكنسيّة، ومنها وثيقة نادرة وُجدت في دير سُمّي بدير درنه ونشرت عام 1929، وهذه المراجع تحدّثت عن راهب إيطالي هو Corrado من مدينة Ascoli ،قام عام 1274، محتميا بنصوص الامتيازات الممنوحة بموجب الإتفاقية، بالرسوّ في برنيق أو جاءها برّا من طرابلس أو الإسكندرية. ثم عبر الجبل الأخضر إلى أن وصل واحة سيوه،ليكون أوّل أوروبّي تطأها أقدامه حتى نهاية القرن التاسع عشر. وزعم أنه استطاع أن يُنصّر 6468 فردا (إستهزأ المؤرّخ بالدّقة في إيراد هذا الرقم!) واستغرقت رحلته ثلاث سنوات، إلا أنه استُدعي على عجل وعُيّن قاصدا رسوليا لدى البلاط الفرنسي. وسبب التعجيل بعودته هو إستيلاء المماليك على حكم مصر وبرقة معها إعتبارا من عام 1275.

وبعد أن استولى عليها هؤلاء المماليك (البحريّون)، وأعقبهم المماليك الشركس عام 1382،جاء العهد العثماني الأوّل حين احتل سليم الأوّل مصرعام 1517. ثم احتل العثمانيّون طرابلس الغرب عام 1537 أي أن برقة،وقد وقعت بين هذين الإحتلالين لمصر وطرابلس الغرب،اعتّبرت في الفلك العثماني ولو من الناحية النظريّة،إذ لم يعثر المؤرّخون على أي دليل يؤكّد وجود سلطة عثمانيّة فعليّة فيها . وقد يرجع السبب في ذلك إلى أن الحكم العثماني يميل بطبعه إلى التمركز في سواحل البلدان المزدهرة التي يبدأ في احتلالها،إضافة إلى ذلك أن أوضاع برقة الإقتصادية كانت متدهورة. وقد ضربها الجفاف المزمن وحوّلها إلى صحراء شبه قاحلة لا تدرّ شروى نقير للخزانة العثمانية التي تتهافت على جمع الضرائب والأعشار.. كما لم تمارس المدن والثغور البرقاوية –على العكس من طرابلس وبقيّة مدن الساحل المغربي– عمليّات وتجارة القرصنة وما تعود به من غنائم وإتاوات، لعدم تمركز الحاميات العثمانية فيها - وبذلك مرّت القرون على برقة وقد كانت فيها نسيا منسيّا،مجهولة حوادثها والوقائع فيها من المؤرّخين لحياة بلدان البحرالأبيض،ما عدا ما استنبطوه من أن الإقليم كان تحت هيمنة وسلطة القبائل، التي ساد بينها قانون الإغارة وأخذ الثأر والإنتقام والتناحر على ملكيّة الأرض والمرعى .

وخلال الحقبة التي بسط العثمانيون خلالها حكمهم على مصر وتونس والجزائر، كانت برقة من منظور آخر، مستقلّة ذاتيا من أية سيطرة أجنبيّة. ولعلّ أقدم وأدق وصف لها آنذاك ما كتبه بالأسبانية المؤرّخ (مارمول) عام 1573 حيث قال: "إن عرب برقة الواقعة بين بربريا –غربي مصراته حتى المغرب – وبين مصر، كانوا على درجة بالغة من الفقر تضطرّهم إلى رهن أطفالهم للتجّار المسيحيين من صقلية حتى يحصلوا على القمح. وأنهم قلّما كانوا يقدرون على الوفاء بالرهن فيظلّ أبناؤهم عبيدا بصقلية ويعتنقون في الغالب الدين المسيحي".

ويؤكّد المؤرّخ أنه شاهد عددا كبيرا منهم في تلك الجزيرة. ثم يتحدّث عن عرب برقة فيصفهم بأنهم قطّاع طرق يعترضون القوافل المتّجهة من المغرب أو سواحل الشمال الأفريقي إلى مصر. (5)

وقبل مارمول، ومنذ القرن العاشر،وصف الإقليم الرحّالة والجغرافيون العرب الذين عبروه وخاصة المرج واجدابيا وأوجله.

أمّا إبن خلدون فيصف أحوال برقة، وكانت تشمل منطقة سرت، بأنها: "درست وخربت أمصارها وانقرض أمرها وعادت مجالات للعرب، بعد أن كانت دارا للواته وهوارة".(6) .

إلا أنه كشف النقاب عن مجيء بعض العائلات الأندلسيّة من العرب واليهود عام 1493، كانت طردت من أسبانيا التي شهدت مرحلة محاكم التفتيش السوداء في تلك السنة. وقد حطّت هذه العائلات رحالها في (واحة) درنة. ولم تجد صعوبة في ذلك لأنها كانت خالية من السكّان تقريبا. وأقامت في البناء الوحيد الذي وجدته وهوأطلال كنيسة قديمة قامت بصيانتها،وشرعت في مزاولة الفلاحة وجني المحاصيل،وفق الطرق التقليدية التي كانت متّبعة في أسبانيا العربية، ممّا أشاع الإزدهار في البلدة : "وحوّلها بسرعة إلى إحدى أحسن البقاع بهجة في شمال أفريقيا."(7) كما أن العيّاشي في رحلته قال عنها: "كانت خالية منذ أزمان الى أن عمّرها الأندلس قرب الأربعين والألف..."(8) .

وبعد مرور حوالي قرن ونصف من الزمن، حدث تطوّر هام في برقة لم ينفض عنها غبار السنين الذي طمرها فقط ،بل غيّر مجرى حياتها وبدّل مصيرها.. وهو تطوّر ولّدته في الواقع تطورّات أخرى حدثت في قصر الأيالة بطرابلس وسط عُنف الصراع على حكمها، لابد من إلقاء الضوء عليه ولو في عجالة:

فبعد القتلة الشّنيعة لأحمد مصطفى داي من ولاة طرابلس الغرب في العهد العثماني الأوّل، سعى إلى تولّي الحكم بعده قاسم باشا أحد المغامرين الأثرياء والذي كان يترأس الإنكشارية، وهو من أصل أندلسي، لجأ إلى الآستانه كغيره من العرب المطرودين من الأندلس، بموجب قرار ملك أسبانيا فيليبو الثالث سيّء السمعة في مايو 1609، والذي قضى بمغادرتهم في مدى ثلاثة أيام، وإلاّ عوقب بالموت كلّ من تخلّف منهم. وكان قاسم هذا محاطا بمقاتلين من أبناء عمومته الأندلسيين، وأضاف إليهم مجموعة أخرى من التونسيين. ولكن يبدو أنه لم يفلح في القفز على سدّة حكم الإيالة، وتغلّب عليه في الصراع محمد الساقزلي باشا. وعلى أثر ذلك غادر قاسم باشا عام 1632، مع جنده الملتفّين حوله، متّجها إلى الآستانه. وفي طريقه مرّ على برقة وتوغّل فيها حتى مرسى سوسه، وكان يطلق عليه باللآتينيةCapoPonamdrea،وقد هالته وأعجبته خصوبة التربة وعدم وجود من يُدير حكما فيها، ولذلك طرأت لديه فكرة الإستقرار فيها مع أهله الأندلسيين، كبديل له عمّا فقده من حكم طرابلس. وفعلا سافر شخصيا إلى الآستانه، واستطاع أن يحصل من (الصدر الأعظم) على فرمان مؤرّخ في مايو 1634 بأن يوضع إقليم برقة تحت سلطة السلطان العثماني آنذاك مراد الرابع، وان يتولّى هو حكمه لما له من سابق خبرة حين تولّى حكم طرابلس الغرب، ولو لفترة قصيرة قبل أن يخسر الصّراع للإحتفاظ به. وشرع قاسم باشا مع مجموعته في العمل بأن شيّد حصنا بالقرب من شحّات تمهيدا لبناء مستوطنة فيها(9) وقضى عامين يعمل مع قومه في جوّ من الهدوء والسكينة بفضل استمالته للقبائل في المنطقة. وعندما حضرته الوفاة وهو في حصنه أوصى إبنيه مصطفى وإسماعيل بالإستمرار في المشروع متعاونين مع نائبه موسى الطنجاوي(10) .غير أن القبائل التي لا تطيق وجود سلطة عليها تريد إخضاعها أو حواليها تسعى لمنافستها، هاجمت المعمّرين وقُتل مصطفى في إحدى المعارك. أما أخوه إسماعيل فقد اتّصل بداي تونس يوسف باشا واقترح عليه إرسال المزيد من المعمّرين. وقد استجاب الداي لهذا الإقتراح وأرسل أربعة مراكب تحمل ثمانمائة مزارع كانوا أيضا من أصل أندلسي ومقيمين بتونس،ووجّههم إلى درنه حيث رست فيها ثلاثة مراكب إنصرف ركّابها إلى فلاحة الأرض، ومدّوا قناة طولها ثلاثة أميال تقريبا تحمل المياه إلى البلدة ( وهي ساقية درنه المعروفة )،كما شيّدوا عددا من المبانيء.(11) .وقاموا بتسييج المزارع ممّا زاد من انتاجها حيث سهّل تنظيم الريّ فيها. أمّا المركب الرابع فقد هبّت عليها عاصفة هوجاء قبالة مرسى بنغازي أثناء شهر أغسطس 1637، فأجبرته على اللجوء إليه. ولقي ركّابها ترحيبا من السكّان الذين دعوهم إلى الإقامة معهم، فقبلوا الدعوة بتحفّظ. وأخذا منهم بالحيطة كأغراب،شرعوا في إقامة حصن يلوذون به إذا ما داهمهم الخطر من القبائل المغيرة. ولمّا دعاهم موسى الطنجاوي إلى الإلتحاق ببقيّة إخوانهم في درنه استجاب أغلبهم ولبّى الدعوة،لاسيّما وقد أرسل إليهم كتيبة من فرسانه لحراستهم في الطريق. وبذلك فلم يكملوا بناء الحصن (12)

وعندما ترامت هذه الأحداث إلى أسماع محمد الساقزلي، زادت من قلقه وحفّزته أكثر على ضرورة الإسراع بالإستيلاء على إقليم برقة، بدأ ببنغازي، وحكمه بشكل مباشر، فأوفد معاونيه القويّين : عثمان الساقزلي ـ السالف ذكره ويوسف بك وهو علج من نفس الأصل ـ على رأس حملة توجّه فيها الأوّل يقود خمسمائة فارسا، والثاني أقلع بحرا بإثني عشر مركبا تحمل ثلاثمائة من السبايا النصارى. وفعلا استطاع عثمان المذكور أن يقتحم بنغازي ويحتلّها. وعلى الفور أخذ الأسرى النصارى في استكمال بناء حصنها(13) الذي بدأه الأندلسيّون،ونصب المدافع فيه، كما نُصّب يوسف بك المذكور نائبا للوالي وحاكما للمدينة. أمّا شارل فيرو فإنه يقدّم تفصيلات إضافية عن عدد ونوع أفراد الحملة ويذكر أن محمد باشا السّاقزلي والي الولاية اضطلع شخصيّا بقيادتها مبدئيا، وأنه ركب البحر وبصحبته: "ألف وخمسمائة من جند الإنكشارية واقترب من شواطيء بنغازي، حيث استعرض قوّاته التي أصبحت تقدّر بألفين وخمسمائة من المشاة وثلاثة آلاف وخمسمائة فارس ومائتين من الأسرى النصارى الذين أُوكلت إليهم مهمّة ريادة الطريق، ومن ستّ قطع مدفعية صغيرة. وكان ذلك في حوالي شهر سبتمبر سنة 1639. وإذ تراّس الداي بنفسه مراسم رحيل هذ الجيش نحو وجهته التي لم يُطلع عليها أحدا، فإنه صعد إلى سفينته وقفل راجعا إلى طرابلس بحرا". (14) وقد أجمع المؤرّخون الذين قصّوا أخبار الحملة المذكورة أنها ضمّت كلّ مشايخ عرب غريان وترهونه وبني وليد ومسلاّته ومصراته متبوعين بأفراد من القبائل الأخرى،خاصة أولاد سالم أو (السوالم) وأولاد سليمان القاطنة شرقي طرابلس الغرب (منطقة سرت والقبلة). ومنذ ذلك الوقت،كما يذكر روسّي(15) استقرّ كثير من سكّان مصراته في بنغازي،مكوّنين (مستوطنة).

بينما يستند بازامة على الرواية الشعبيّة في ذكر الصراع الذي نشب بين تلك القبائل الوافدة من الغرب، والذي تبلورفي التطاحن بين صفّين منها هما: صفّ الطواهر المكوّن من التواجير وأهل مسلاّته وأهل زليطن، وهم الذين سبق وأن استوطنوا بنغازي منذ القرن الخامس للميلاد كما أسلفنا، وصفّ أهل مصراته وحلفائهم، وهم الوافدون حديثا إلى المدينة. ونتج عن هذا الصراع تزحزح الطواهر إلى ناحية (برسيس) ـ حوالي أربعين كيلو مترا شمال شرقي بنغازي ـ ثم أجلتهم قبائل مصراته إلى درنة التي أقاموا وبقيوا فيها حتى الآن. وبدا أن هذا الصراع في مدينة بنغازي بين الوافدين اليها، لم يخمد أواره. فبعد أن غلبت مصراته لكثرتها تجدّد الصراع بين قبائلها نفسها، وانقسمت إلى تكتّلين يرأسهما شيخان هما: فكرون الذي سُمّي التكتّل بإسمه وانضوت تحته العائلات المنبثقة عن قبائل (يدّر) و(الكوافي) و(قزير) و(زمّورة) و(قصر حمد) و(خدّام الزرّوق)، ثمّ عُرف هذا التكتّل فيما بعد بالحاشية وأخيرا (بالأهالي). أما التكتّل الثاني فقد انضمّ تحت زعامة الشيخ دغيم، وهومكوّن من عائلات وقبائل: (بلاّلة) و(صور جابر) و(اليعاقيب) و(الشويخات)، وانضمّ إليهم (الكولوغليّة) ـ بعد السيطرة العثمانية على المدينة ـ وقد عُرف هذا التكتّل فيما بعد (بالذكيران) وأخيرا باسم تكتّل (الحكومة)(16).

وقد عيّن بازامه أسماء الشوارع والأحياء العتيقة التي سكنت فيها هذه العائلات في المدينة، كما ذكر وجود أقسام أخرى من السكّان خاصة من أهل البادية الذين استقرّوا بها، وبعض العائلات الأندلسية، إضافة إلى أفراد الطّائفة اليهودية التي تكاثر عددها حتي بلغت حوالي ثلث السكّان في أواخر العهد القرهمانلي.

ونضيف من ناحيتنا ما لاحظناه في التنافس الإنتخابي أن عائلات ورفلّة كانت تميل إلى التكتّل الثاتي. وقد استمرّت ظلال هذا التقسيم في الشعور الجمعي لأهل بنغازي، وتحوّل إسم (أهالي) و(أهلي) في لغتهم االدارجة كناية عن كلّ من هو مناويء للحكومة أو القريبين منها حتى يومنا هذا.

أمّا (فالوري) فيعمّم هذا الصراع على جميع أنحاء برقة ويجعله بين فريقين يسمّى أحدهما (النوّاب) أي الممثلين للسكّان البرقاويين المتوطّنين، والثاني (الإخوان) أي أولئك الذين زحفوا مع عثمان ويوسف الساقزليين مكوّنين أغلب جنود جيشهما - كما سبق القول ـ وساعدوا في الإستيلاء على الإقليم (17)

المصادر والمراجع:
________________________________________________


(*) مقتطفات من فصل في كتاب للمؤلّف سيصدر قريبا. وقد قصرنا الحلقتين على نشأة بنغازي العريقة دون الإسترسال الوارد في الكتاب.

(1) فراننشيسكو فالوري Sansoni,Firenze 1933– Stoia della Cirenaica ص 45 بنغازي

(؟) يعتبر كتاب محمد بزامه ( بنغازي عبر التاريخ ) - دار ليبيا، بنغازي 1968 أغزر مرجع عن تاريخ المدينة وتطوّرها إعتمد فيه على مراجع هامة عربية وإيطالية وإنجليزية، وهناك أيضا دراسة Goodchild ( بنغازي قصّة مدينة ) – بالإنجليزية – إصدار مصلحة الآثار بشحّات ليبيا 1962 . وكلاهما ذكر أن أهل أوجله ما زالوا حتى اليوم يستعملون إسم برنيق حين يعنون بنغازي!.

(3) فالوري – مرجع سابق ص 80 –83

(4) بازامه (تاريخ برقة في العهد العثماني الأول) ص 239 دار الحوار 1994

(5) إتّوري روسّي (ليبيا منذ الفتح العربي حتى سنة 1911 ) تعريب خليفة التليسي،دار الثقافة بيروت 1974ص 232 .أما بزامه – مرجع سابق ص 151 فينقل رأسا عن رواية مارمول في أصلها،ويضيف أن سكان برقة " كانوا يرهنون أطفالهم مقابل ما كانوا يحصلون عليه من قمح للتجار اليهود والأوربيين. ولما كانوا غالبا ما يعجزون عن سداد ما عليهم من تلك الديون،فإن الرهينة تظل في أيدي أولئك التجار الذين كانوا يعرضونها في أسواق النخاسة في صقلية ويبيعونها رقيقا بها . "
(6) أورد محمد بازامه - مرجع سابق بدءا من ص 136 –145 أقوال الجغرافيين العرب المشهورين لهذه المدن ، كما أننا اعتمدنا على كتاب ( ليبيا في كتب الجغرافية والرحلات ) من تصنيف د. محمد يوسف نجم و د. إحسان عباس – دار ليبيا للنشر والتوزيع بنغازي ، 1968 الذي جمعا فيه أغلب ما أورده هؤلا ء الجغرافيون وهم، إضافة الى إبن خلدون : اليعقوبي وإبن خرداذبة وقدامة والكرخي و وإبن حوقل والمقدسي والبكري والإدريسي وياقوت الحموي والقزويني وإبن سعيد وأبو الفدا . إضافة الى روايات الرحّالة : إبن العربي والعبدري والتيجاني وإبن بطوطة وإبن ناصر و بيرم والحشائشي . وقد احتوت رواياتهم على وصف جغرافية واقتصاديات هذه البقاع ، ومنشأ سكّانها وقبائلهم العربية والبربرية،وطبائعهم وسلوكهم . لذا يُنصح بالرجوع إلى الكتاب للإستزادة

(7) فالوري – نفس المصدر ص 87

(8) ليبيا في كتب الجغرافيا والرحلات ) - مرجع سابق ص 224

(9) روفيري – مرجع سابق ص 91 . وكما ذكر بازامه – مرجع سابق ص 209 يرجّح أن يكون المكان الذي شيّد فيه الحصن هو ( قرنادة ) حاليا ، فإسمها شبيه بإسم مدينة غرناطة المشهورة في الأندلس ، تيمّنا بها من قبل هؤلاء المعمّرين،وقد اصابه تحريف طفيف في النطق

(10) ذكرالمعرّبان، التليسي نقلا عن روسّي، وبرنيا والوافي نقلا عن فيرو، أن.إسمه هو موسى تاغارين. أما بازامه فلم يهتد إلى أصل الإسم وظنّ أن يكون التوجار وهم من أهل طرابلس . إلاّ أننا نجد أن الإسم الصحيح كما رواه روفيري – مرجع سابق ص 91 هو Tangarino أي الطنجاوي أو الطنجي ( من أهل طنجة ) وهو أقرب إلى الترجيح .

(11) شكّك بازامه – مرجع سابق ص 217 فيما رواه صلاح محمد جبريل في كتابه (تجريدة حبيب ) من أن أحد أسباب تمكّن هؤلاء المعمّرين من البقاء،هو كونهم أربعين حاجا حطّوا رحالهم بناحية (غوط الركاب) بالقرب من العزّيات ،وقام شيخ الرّكب منهم،وهو إمامهم الفقيه عزّوز،بمداواة إبنة أحد رؤساء القبائل ونساء أخريات ،فسمح لهم بالبقاء . وفي ص 220 أن بعض أسر درنه المعروفة يرجع أصلها إليهم مثل : آل عزّوز وآل المؤدّب وآل بن فاضل وآل سرقيوة . ونضيف نحن إليها آل البنّاني المعروفة .

(12) فالوري – مرجع سابق ص 92 . والواقع أن برنيا الذي أرّخ بالتفصيل لهذه الوقائع ، ذكر في ص 153 أن المراكب الأربعة رست جميعها في درنة ، وأن العاصفة هبّت عليها قبالة بنغازي وهي في طريق الرجوع إلى تونس وعلى ظهرها مجموعة لم يحدّد عددها من المعمّرين المذكورين . إلاّ أن موسى الطنجاوي حثّهم على عدم تلبية دعوة أهالي بنغازي للإقامة لعدم ثقته فيهم ولذلك تخلّوا عنها . أمّا بازامه فقد اعتمد هذه الرواية،وأخذ في تحليلها مطوّلا، بدءا من ص 216-225 مشكّكا فيها ومستنتجا – استنادا على ما ذكره أغوسطيني – أن جزءا من هؤلاء المعمّرين االأندلسيين أقاموا في بنغازي ، ومشيرا إلى أن غائلة القاضي مثلا كانت منهم،وهي التي شيّدت الجامع العتيق فيها. وخلاصة القول إن ما أورده فالوري – في رأينا – من رسوّ المركب الرّابع ببنغازي ونزول ركّابه للإقامة هو أقرب إلى الصواب والمنطق طالما أن قبائل البدو فيها رحّبت بوصولهم منذ البداية.

(13) عيّن بزامه ( برقة في العهد العثماني الأول ) ص 224، مكان الحصن بأنه موضع سينما البلدية والمحكمة العليا سابقا والثلاّجة ودار الجمارك .

(14) فيرو – مرجع سابق ص 186.

(15) روسّي - مرجع سابق ص 233 .

(16) بازامة في (بنغازي عبر التاريخ) ص255 .

(17) فالوري (قصّة برقة) - مرجع سابق ص 96 .



http://www.libya-watanona.com/adab/msherif/ms15036a.htm

http://www.nfsl-libya.com/%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA/tabid/59/mid/417/newsid417/568/Default.aspx

http://www.libya-watanona.com/adab/msherif/ms17036a.htm

Friday, 17 March, 2006
(2 من 2)
avatar
د. جمال بن عمار الأحمر
رئيس منظمة الشعب الأندلسي العالمية
رئيس منظمة الشعب الأندلسي العالمية

الجنس : ذكر
العمر : 57
تاريخ الميلاد : 22/02/1960
تاريخ التسجيل : 02/05/2009
عدد المساهمات : 2915
نقاط الشكر على الجدية الأندلسية : 3
نشاطه في منظمة ش الأندلسي ع : 4848
العمل/الترفيه : أستاذ جامعي. مؤسس في حركة إسلامية قوية في نهاية السبعينيات. وسياسي قديم. ومرشح برلماني سابق

http://www.andalus-woap.org

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الأندلسيون في بنغازي

مُساهمة من طرف محمد الامام في الأربعاء 29 أغسطس 2012, 10:02

تحية للكاتب
ولكن لماذا لم توثقوا اسماء العائلات الاندلسية الموجودة الان فى درنة وبنغازى والتى منهم عائلتى الامام ...

محمد الامام

تاريخ التسجيل : 29/08/2012
عدد المساهمات : 4
نقاط الشكر على الجدية الأندلسية : 4
نشاطه في منظمة ش الأندلسي ع : 7

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الأندلسيون في بنغازي

مُساهمة من طرف wissam423 في الأربعاء 10 أكتوبر 2012, 16:04

السلام عليكم و رحمة الله وبركاته

مرحباً بأبن عم د. جمال بن عمّار الأحمر
كنت قد كتبت لك في السابق عن الطواهر و قدم حضورهم للشرق و كل كتب التاريخ العربية و المعربة و لكن ربما المؤرخين لم يقروا بأندلسيتهم نظراً لقدم حضور الطواهر للمنطقة الشرقية و بعض المؤرخين الجدد أقرها و قال بأنه لا يوجد من وثائق ما يجعلنا نجزم بذلك "و كنت قد كتبت لحضرتك عن قصة الوثائق الخاصة بالطواهر و التي حرقت ...!!!" و لكن ذلك المؤرخون جزموا بأندلسيتنا عن طريق التواتر و الرواية و النسب ... و خير دليل على وجود الطواهر منذ القدم ما كتبه المؤرخون القدامة رغم عدم ذكر أندلسيتنا إلا أنهم كانوا يكتبون بعض الأخبار الموثوقة و التي يمكن للقاراء الذي لديهم قدرة الإستنباط أن يؤكدوا بأن الطواهر من الأندلسيين القدامة الذين قدموا لكوية الملح "بنغازي" و ما قيل في هذا المقال صحيح و يمكنك مقارنة تاريخ حضور الطواهر و حضور باقي الأندلسيين فستجد أنهم أستوطنوها قديماً ... و ما يهمني هنا هو أن المقالة المنشورة صحيحة و مذكورون بها فالطواهر قدموا من "زليتن و تاجوراء و مسلاتة" و خروجهم منها كان بعد طراع مع إحدى القبائل و هم من حرقوا الوثائق قبل قدومنا إلى بنغازي ...

جزء من المقالة المنشورة ...
"بينما يستند بازامة على الرواية الشعبيّة في ذكر الصراع الذي نشب بين تلك القبائل الوافدة من الغرب، والذي تبلورفي التطاحن بين صفّين منها هما: صفّ الطواهر المكوّن من التواجير وأهل مسلاّته وأهل زليطن، وهم الذين سبق وأن استوطنوا بنغازي منذ القرن الخامس للميلاد كما أسلفنا، وصفّ أهل مصراته وحلفائهم، وهم الوافدون حديثا إلى المدينة. ونتج عن هذا الصراع تزحزح الطواهر إلى ناحية (برسيس) ـ حوالي أربعين كيلو مترا شمال شرقي بنغازي ـ ثم أجلتهم قبائل مصراته إلى درنة التي أقاموا وبقيوا فيها حتى الآن. وبدا أن هذا الصراع في مدينة بنغازي بين الوافدين اليها، لم يخمد أواره. فبعد أن غلبت مصراته لكثرتها تجدّد الصراع بين قبائلها نفسها، وانقسمت إلى تكتّلين يرأسهما شيخان هما: فكرون الذي سُمّي التكتّل بإسمه وانضوت تحته العائلات المنبثقة عن قبائل (يدّر) و(الكوافي) و(قزير) و(زمّورة) و(قصر حمد) و(خدّام الزرّوق)، ثمّ عُرف هذا التكتّل فيما بعد بالحاشية وأخيرا (بالأهالي). أما التكتّل الثاني فقد انضمّ تحت زعامة الشيخ دغيم، وهومكوّن من عائلات وقبائل: (بلاّلة) و(صور جابر) و(اليعاقيب) و(الشويخات)، وانضمّ إليهم (الكولوغليّة) ـ بعد السيطرة العثمانية على المدينة ـ وقد عُرف هذا التكتّل فيما بعد (بالذكيران) وأخيرا باسم تكتّل (الحكومة)(16)"

بارك الله فيك يأبن العم د. جمال و سلامي لأبناء العمومة
و جزاك الله عنا كل خير


وسام المبروك بن طاهر "الأنصاري"


wissam423

الجنس : ذكر
العمر : 42
تاريخ الميلاد : 23/04/1975
تاريخ التسجيل : 01/10/2012
عدد المساهمات : 13
نقاط الشكر على الجدية الأندلسية : 9
نشاطه في منظمة ش الأندلسي ع : 23
الموقع : ليبيا
العمل/الترفيه : أخصائي الآت دقيقة - شركة إيني غاز

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى