منظمة شعب الأندلس العالميةORGANIZACIÓN MUNDIAL DelPUEBLO De AL-ANDALUS
مرحبا بك في موطنك الافتراضي الأندلس، على قول المثل: "تفاءل بالخير تنله". نرجو أن تستفيد وتفيد في إطار أخوي هادف
http://smiles.a7bk-a.com/smile_albums/welcoms/11921929472176.gif

الخطاب التـربـوي عنـد الأندلسيين، بقلم: حسن الوراكلي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الخطاب التـربـوي عنـد الأندلسيين، بقلم: حسن الوراكلي

مُساهمة من طرف د. جمال بن عمار الأحمر في الخميس 31 ديسمبر 2009, 14:31

الخطاب التـربـوي عنـد الأندلسيين

حسن الوراكلي
مكة المكرمة
مجلة المعرفة، تونس، العدد 68،
تم إضافته يوم الجمعة 28/08/2009 م
الموافق 8-9-1430 هـ
الساعة 12:07 صباحاً




لا يشك أحد في أن التربية ترتبط، في منطلقاتها وأهدافها، ببنيات المجتمع العقدية والعقلية والشعورية؛ لذا تباينت مضامين الخطاب التربوي ومقاصده من مجتمع لآخر تبعاً لتباين المعتقدات والتصورات من مجتمع لآخر. وإذن فما من خطاب تربوي إلا ويقوم على أساس من معتقدات ويستند إلى مرجع من تصورات يستمد منها «رؤيته» للكون والحياة والإنسان والمجتمع، ومنها تنبثق منظومة القيم والمثل والمبادئ التي يتوجه بها إلى متلقيه يرسخها، بهذا الأسلوب أو ذاك، في عقولهم ويجذرها في نفوسهم حتى يغدوا وهم لا يصدرون إلا عنها فيما يأتون من فعل أو يذرون، وفيما يتخذون من موقف أو يدعون(1).

وإذا سلمنا بهذا فإنه يسوغ لنا القول بأن الخطاب التربوي الإسلامي يتمحور حول «رؤية» تشكلت من ثقافة القرآن الكريم والسنة المشرفة، وهي ثقافة ألحت على (ثنائية) العلم والعمل وحثت المسلم على الأخذ بهما في جميع المجالات التي يتحرك فيها. يقول الحق تعالى: { فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك}(2)

ويقول سبحانه وتعالى {قل إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحدا}(3)

ويقول سبحانه وتعالى: {أو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون}(4).

وروى الإمام مسلم في صحيحة أن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها قالت (إن خلق نبي الله كان القرآن)(5)

وعلق الإمام النووي عليه بقوله (معناه العمل به والوقوف عند حدوده والتأدب بآدابه...)(6).

وفي الأثر الذي أخرجه الدارمي وابن عبدالبر (تعلموا العلم وانتفعوا به ولا تتعلموه لتتجملوا به)(7)

وفي أثر آخر أخرجه الدارمي والخطيب البغدادي وابن عبدالبر (تعلموا فإذا علمتم فاعملوا)(8).

كما يسوغ لنا القول بأن (رؤية) هذا الخطاب تميزت،باسترفادها الثقافة الربانية التي تلحم بين العلم والعمل، عما سواها (الرؤى) التربوية التي عرفتها البشرية في ماضيها وحاضرها بجملة خصائص من أبرزها خصيصتان ذواتا خطر وشأن، هما الشمولية والواقعية(9).

أما الأولى فبها استوعب الخطاب التربوي الإسلامي جوانب الشخصية الإنسانية كلها روحية ومادية وعقلية ووجدانية، تتعهدها بما كرس الإسلام من عقديات وعبادات، وأخلاقيات وسلوكيات. وأما الثانية فلأنها ـ أي الرؤية ـ وهي على بينة من طبيعية الإنسان الخِلْقية والخُلقية لا تحتكم في قياس نجاحه أو فشله إلى علمه وإنما إلى عمله باعتبار أن هذا هو الذي يُصَدّق (العلم) أو يُكذّبه. وقد نقل الخطيب البغدادي عن أحد الحكماء قوله (العلم خادم العمل، والعمل غاية العلم، فلولا العمل لم يُطلب علم، ولولا العلم لم يُطلب عمل)(10).

ومعنى هذا أن الخطاب التربوي الإسلامي، بمضامينه وآلياته، هو الذي يُشكّل لدى متلقيه ثقافاتهم بوجهيها النظرى والإجرائي، أي أنه هو رافد (علمهم) و(عملهم) بآن(11).

ولا شك أن مراجعة ما كان من أثر لهذا الخطاب في حياة المسلمين العلمية والعملية في هذا الصقع أو ذاك من أصقاع العالم الإسلامي في المشرق أو في المغرب قمينة بأن تقفنا على جملة حقائق ومعلومات وخبرات وتجارب نستكشف من خلالها مضامين هذا الخطاب التصورية وتطبيقاته العملية وما كان لهذه وتلك من فاعلية في عميق الوعي لدى المسلمين بهويتهم العقدية وذاتيتهم الثقافية بما تبلور في أبعاد نظرية وأخرى عملية تشكل منها نسيج مدنيتهم وحضارتهم. وهذا ما تهدف هذه الحلقات إلى استجلاء جوانب منه عند أهل الأندلس.إن اهتمام المسلمين بالتربية، على جميع المستويات التي ينشأُ فيها المسلم، ابتدأ مع بزوغ الدعوة الإسلامية التي بُعث بها الرسول الكريم سيدنا محمد ص يُتَمِّم بها مكارم الأخلاق، وينتقذ بها الناس من الظلمات إلى النور، ويعلمهم الحكمة ويزكيهم.وكان لاستهلال الحق تعالى وحيه المنزل على قلب رسوله المصطفى ص بالدعوة الآمرة بالقراءة دلالة بينة على أن لحمة الدعوة الخاتمة العلم. قال تعالى {اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان مالم يعلم}(12).

أما سداها فالعمل كما تبينا مما أوردنا، آنفاً، من الآي والحديث والأثر. وقد وعى المسلمون الأول من صحب رسول الله ص هذه الحقيقة فاجتهدوا في تطبيقها.، روى أبوعبدالرحمن السلمي، قال (حدثنا الذين كانوا يقرأون القرآن كعثمان وعبدالله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ص عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يعلموا مافيها من العلم والعمل. قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعاً)(13).

وعلى هذا النحو كان أبناء الأمة، رجالهم ونساؤهم، بعد جيل الصحابة، يدركون ضرورة ارتباط العلم بالعمل. ولعل في هذه الكلمات التي سمعها ووعاها سفيان الثوري من والدته ما يجلي لنا ذلك خير جلاء. فلنستمع إليها (يابني: خذ هذه عشرة دراهم وتعلم عشرة أحاديث، فإذا وجدتها تُغَيّر في جلستك ومشيتك وكلامك مع الناس فأقبل عليه ـ أي العلم ـ وأنا أعينك بمغزلي هذا وإلا فاتركه فإني أخشى أن يكون وبالا عليك يوم القيامة)(14).

وهذا يفضي بنا إلى النظر في غاية العلم. وإن مما لا يحتاج إلى بيان أن الشرط الرئيس للعلم في التصور الإسلامي هو (النفع)، خاصاً وعامآً، أي ما ينفع حامله والمحمول إليه في الحال والمآل. من هنا ندرك مغزى التماس العلم النافع وتجنب غير النافع منه فيما روي عن رسول الله ص يسأل ربه تعالى {اللهم إني أسألك علماً نافعاً)(15) ويوجه صحابته لنفس السؤال حين يقول لهم (سلوا الله علماً نافعاً)(16)

ويتعوذ من العلم الذي لا نفع فيه حين يقول ص (اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع) (17).

ومما لا يحتاج إلى بيان كذلك أن العلم النافع لا يفرز عند صاحبه إلا فعلاً راشداً فإذا به (لامداهن ولا مشاحن، ولا مختال ولا حسود، ولا حقود ولا سفيه، ولا جاف ولا فظ ولا غليط ولا طعّان ولا لعّان، ولا مغتاب ولا سباب)(18).

وجماع القول أن العلم النافع مدعاة للفضائل، ولا يأتي الفضائل ـ كما يقول ابن حزم ـ من لم يتعلم(19)،

وغير النافع من العلم مدعاة للرذائل.

كذلك كان فهم الصدر الأول من المسلمين لتلازم العلم النافع بالفعل الراشد، وعلى نهجهم نحا الفاتحون في المشارق والمغارب يبلغون دعوة التوحيد بالعلم والعمل معاً.ومن ينظر في أخبار الفتح الإسلامي للأندلس سرعان ما يسترعي انتباهه حرص قادة الفتح على ترسيخ الاعتقاد الصحيح والإيمان الثابت في قلوب الذين أسلموا من الإسبان ومراقبة أثرهما في عملهم وسلوكهم. وقد نهض بهذه المهمة الجليلة طائفة من حملة كتاب الله تعالى وسنة رسول ص . كان فيهم من الصحابة والتابعين كالمنيذر اليماني أو الإفريقي، وحنش الصنعاني، والمغيرة بن أبي بردة العذري، وعبدالله الحلي، وحيوة بن رجاء التميمي، ومحمد ابن أوس بن ثابت الأنصار(20).

وكلهم كانوا قراء فقهاء ندبهم القائد موسى بن نصير إلى سائر الجهات ينشرون تعاليم الإسلام ويشيعون بين الناس حب القرآن والتعلق به(21).

وعلى أيدي هؤلاء وعلى أيدي من وفد على الأندلس من الحفاظ في الفترة التي تلت الفتح تلقى الأندلسيون حروف القرآن فاستظهروا منه ماشاء الله لهم أن يستظهروا من قصاره وطوله، وتعلموا من هذه وتلك ماشاء الله لهم أن يتعلموا من أصول ديانتهم وحدود شريعتهم ما انطوت عليه قلوبهم، وأفصحت به ألسنتهم، وبلورته جوارحهم.ومنذ ذلك الحين وتعلق الأندلسيين بالقرآن يتزايد ويتضاعف مما تواترت به الأخبار عن حرصهم على:

أ ـ تحفيظه أولادهم وتعليمهم إياه في سن باكرة من أعمارهم فلا يكادون يشارفون العاشرة إلا وهم قد حفظوا نصه وحذقوا فصه، وفَتَّق الله به ألسنتهم وشرح به صدورهم للعلم. وفي سِيرِ العلماء وتراجمهم أمثلة على ذلك لا نطيل بذكرها (22).

ب ـ تعهد القرآن وتلاوته دونما انقطاع وفي وفور عزم ودرور حزم كما كان شأن ابن وضاح الذي ختم القرآن في عشرين يوماً من شهر رمضان ستين ختمة، وكان يعتزم ـ فيما روي عنه ـ أن يختمه أكثر من مائة مرة لولا أنه مرض في العشر الأواخر (23). وكما كان شأن يحيى بن يزيد الأزدي الذي لم يمنعه حَبْسُه أن يختم القرآن أربعين مرة، فلما أخبر بذلك الفقيه يحيى بن يحيى الليثي قال له (ما أشقى من ختمت القرآن في حبسه أربعين مرة) (24).

ج ـ انتساخ القرآن وكتابته في المصاحف، وهو عمل إذا أردنا أن نتصور مبلغ إقبال الأندلس عليه ذكرنا أنه لم يكن حُكْراً على الرجال؛ بل شاركتهم فيه شقائقهم النساء، فكان (بالربض الشرقي من قرطبة مائة وسبعون امرأة يكتبن المصاحف بالخط الكوفي)(25).

د ـ خدمة القرآن وعلومه في دأب وجلد موصولين كان من آثارهما هذا النتاج القيم الذي أسهم به علماء الأندلس في جميع العلوم القرآنية وخصوصاً علمي التفسير والقراءات مما حملهم على التباهي به على نحو ما وجدنا ابن حزم يفضل تفسير بقي بن مخلد على جميع التفاسير لا يستثنى تفسير ابن جرير الطبري (26).

وعلى نحو ما وجدنا ابن الزبير الغرناطي يُزْهَى بسبقه في عمله عن ترتيب سور القرآن (27).

ويدلنا على اتصال العناية عند الأندلسيين بالقرآن وعلومه وغناء مكتبتهم القرآنية حتى القرن الأخير من الوجود الإسلامي بالجزيرة ما ذكره المنتوري في فهرسته من مروياته في علوم القرآن التي بلغت أزيد من تسعين مصنفاً(28) وكذلك ما طالعه من مؤلفات حين أراد أن يؤلف كتابه في القراءات (29) بلغ عددها تسعاً وسبعين ومائة كتاب، سبعة وعشرون منها في القراءات والباقي في غيرها(30).

وعلى غرار عناية الأندلسيين البالغة بالقرآن الكريم، حفظاً وكتابةً وتلاوةً ودرساً، منذ أن حمله جُنْدُ الفتح من مهبطه بالجزيرة إلى جزيرتهم القاصية حتى قضى ربك بجلائهم عنها، كانت عنايتهم بحديث رسول الله ص حفظاً وفهماً وروايةً ودرايةً. والراجح أن القراء والفقهاء الذين كانوا في رفقة القائدين موسى وطارق والذين تولوا، بعد الفتح، تحفيظ الأندلسيين سور المفصل من القرآن الكريم لإقامة الصلوات أولاً ثم لمعرفة أصول الدين وقواعد الإسلام هم أنفسهم الذين حدثوهم بما كانوا يحفظون من حديث رسول الله ص وحببوه إليهم فما إن خالطت بشاشته قلوبهم حتى جعلوا يضربون في مناكب الأرض ويمخرون أثباج البحر في طلب الحديث والأثر من أفواه رواتهما في مكة والمدينة وفي غير مكة والمدينة من حواضر العلم والرواية في أقطار المشرق. فعادوا إلى الأندلس وقد ملأوا أوطبهم بما قيدوا من الحديث وجمعوا ورووا ونقلوا.

وعلى يد أمثال الغازي بن قيس، ويحيى بن يحيى الليثي، ويحيى بن مزين الطليطلي وغيرهم عرف الأندلسيون (الموطأ) للإمام مالك بن أنس. وكان لثانيهم أثر ملحوظ في نشر أحاديث كتاب مالك بين الأندلسيين فقد انتهوا ـ كما يقول القاضي عياض ـ إلى سماعه منه (وأعجبوا بتقييده فقلدوه وتبعوه)(31).

حتى إذا كان مطلع المائة الثالثة اشتهر الحديث في الأندلس بعبدالملك بن حبيب، وصعصعة بن سلام الشامي، وداود بن جعفر ومحمد بن عيسى بن نجيح المعافري، وقاسم بن أصبغ. ثم رأس في الحديث بقي بن مخلد (ت276هـ) الذي شهد له ابن حزم بالعلم في الحديث وبثقته وضبطه وإتقانه واحتفاله وجودة شيوخه مما جعله (جارياً في مضمار أبي عبد الله البخاري وأبي الحسين مسلم بن الحجاج وأبي عبد الرحمن النسائي رحمة الله عليهم)(32) ومحمد بن وضاح (ت نحو 287هـ) الذي (سمع منه الناس كثيراً ونفع الله به أهل الأندلس)(33) و(انتشر بها عنه علم جم)(34).

وبهذين العلمين الحافظين صارت الأندلس ـ كما يقول ابن الفرضي ـ دار حديث(35) .

وليس هذا موضع الإفاضة في الكلام عن العناية التي أولاها شيوخ العلم وطلبته للحديث الشريف في حلقات الدرس ومجالس الإقراء وما كان لها من آثار على خطاب القوم التربوي الذي هيمن على حياتهم العلمية وحركتهم الثقافية. ويكفي للدلالة على بالغ هذه العناية عند فئتين من الناس بهما يصلح ـ على حد قول ابن حيان ـ أمر الرعية إذا صلحوا ويفسد إذا فسدوا، هما فئة الحكام وفئة العلماء، أن نسوق لك هاتين الحادثتين:

الأولى حين أنكر بعض الفقهاء على بقي بن مخلد إقراءه مصنف ابن أبى شيبة لما فيه من الخلاف فدعاهم الأمير محمد بن عبدالرحمن بن الحكم (ت273) وجعل يتصفح (الكتاب جزءاً جزءاً حتى أتى على آخره، ثم قال لخازن كتبه «هذا الكتاب لا تستغني خزانتنا عنه، فانظر في نسخة لنا» وقال لبقي «انشر علمك واروما عندك» ونهى الفقهاء أن يتعرضوا له)(36) .

وأما الثانية فحين أرسل الخليفة الحكم المستنصر في طلب الفقيه أبي إبراهيم، فلما وافاه في المسجد وقد غصت حلقته بالطلبة سلم وأبلغ الفقيه أن الخليفة يريده على عجل فأجابه الفقيه «سمعاً وطاعة لأمير المؤمنين، ولا عجلة، فارجع إليه وعَرّفه، وفقك الله، عني أنك وجدتني في بيت من بيوت الله تعالى معي طلاب العلم أُسمعهم حديث ابن عمه رسول الله ص فهم يقيدونه عني، وليس يمكنني ترك ما أنا فيه حتى يتم المجلس المعهود لهم في رضا الله وطاعته، فذلك أوكد من تسييري إليه الساعة، فإذا انقضى أمر من اجتمع إليَّ من هؤلاء المحتسبين في ذات الله الساعين لمرضاته مشيت إليه إن شاء الله تعالى». ثم أقبل على شأنه(37).

فذانك رافدان من ربك لخطاب الأندلسيين التربوي ليس يتسع حيز هذه الفقرة لبسط القول في منظومة القيم والمثل والمبادئ التي اشتملا عليها لتكون للمؤمنين بصائر وهدى في علمهم وعملهم، تنشد صلاحهم وفلاحهم وفوزهم وسعادتهم في الأولى والآخرة؛ لكن علينا أن نقرر بأن هذه المنظومة التي شكلت، بلا مزاحم لها، الفكر التربوي عند أهل الأندلس على نحو ما شكلته عند غيرهم من أهل الأقطار الإسلامية الأخرى وكانت لها الهيمنة على خطابهم التربوي ونظامهم التعليمي لم تتبلور في حياتهم العملية على مستوى واحد؛ بل بمستويات مختلفة تبعاً لتباين درجة الوعي بمضمونها وتفاوت نسبة حرصهم على تطبيقها في أعمالهم وممارساتهم في اليوم والليلة، وهذا أمر ليس الأندلسيون بدعاً فيه؛ بل هو ملحوظ في جميع المجتمعات الإنسانية. وقد نبه إليه معلم الإنسانية ومربيها صلوات الله وسلامه عليه حين قال (مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصابت منها طائفه أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أُرسلت به)(38).

ولنا بعد هذين الرافدين الرئيسين أن نُلِمَّ بذكر رافدين آخرين لهذا الخطاب لانشك في أنه كان لهما من خلاله أثرهما في ترشيد أساليب التربية عند الأندلسيين وتوجيه مناهجمهم التعليمية، ونعني بهما التراث واللغة. فأما اللغة، والمراد لغة الوحي، فقد حملها إلى أهل الأندلس الذين حملوا إليهم العقيدة والشرعة والمنهاج التي تنزلت بها من فوق سبع سماوات بإذن العزيز الحكيم. ولما كانت العربية بهذه المنزلة من الدين فقد أقبلوا عليها مثلما أقبلوا على الدين يتعلمونها من نصوصه في الكتاب والسنة ويتلقفونها من أفواه أبنائها وهم عرب أقحاح شارك بعضهم في الفتح صحبة موسى بن نصير وطارق ابن زياد، وقدم بعضهم الآخر، بعد الفتح، في حملات من مثل حملة بلج بن بشر التي انطلقت من الشام وقد ضمت آلافاً من الجند العرب وحملة أبي الخطار الكلبي ولم تكن أقل منها عدداً. وبعد استتباب الأمر لبني أمية على يد عبدالرحمن الداخل توالت الهجرات العربية إلى الأندلس وخصوصاً من الأمويين وأشياعهم. وكان لأولئك وهؤلاء أثر بعيد في نشر اللغة العربية بين المسلمين من سكان الجزيرة الأصليين وبين الطارئين عليها من أهل العدوة المغربية؛ بل حتى بين أهل الذمة من اليهود والنصارى حتى أُنسي هؤلاء بخاصة لغتهم وأقبلوا على تعلم اللغة العربية يدرسون بها مذاهب أهل الدين والفلاسفة المسلمين، ولم يعد الموهوبون من شبانهم يعرفون إلا لغة العرب يجمعون كتبها ويعجبون بآدابها(39).

وإذا كان هذا هو أثر العربية في غير المسلمين من سكان الجزيرة فما ظنك بأثرها في المسلمين الذين كانوا أدركوا أنها من دينهم الذي ارتضوه؛ لا جرم أنها غدت، بعد أن تلوا بها كتاب ربهم وقرأوا بها حديث رسولهم ليس، فقط، أداتهم في التخاطب والتواصل؛ بل وعاء فكرهم ومستودع معرفتهم وجماع ثقافتهم. ومن ثم ندرك مدى أثرها البالغ في خطابهم التربوي مما سنقف ـ إن شاء الله تعالى ـ على تجليات له في موضعه من هذه الحلقات.وأما التراث فنعني به ذلك النتاج، المتعددة مناحيه من عقدية، وشرعية، وفكرية، وأخلاقية، ولغوية، وأدبية، الذي تظافرت عدة عوامل على وصوله إلى الأندلس، ومن أهمها رحلة طلبة العلم من الأندلسيين إلى المشرق حيث كانوا يختلفون إلى مجالس العلماء يتلقون عنهم ويروون ثم يحملون تواليفهم وتواليف غيرهم إلى بلدانهم في عودتهم إليها. ولائحة أسماء هؤلاء طويلة الذيل وبحسبنا في التمثيل لها أن نجتزئ بذكر أسماء الغازي بن قيس، وعبدالملك بن حبيب، ويحيى بن يحيى الليثي، وبقي بن مخلد، ومحمد بن وضاح؛ بل إن غالبية هؤلاء وضعوا مؤلفات صار بعضها كما قيل، بحق في مؤلفات بقي بن مخلد (قواعد للإسلام لا نظير لها)(40).

ورحلة شيوخ العلم والرواية والآثار من المشارقة إلى الأندلس يحملون معهم كتب اللغة والأدب والشعر والأخبار. ومن أقدم من وصل منهم وأشهرهم أبو اليسر الرياضي(41).

أضف إلى هذا العامل وذاك اهتمام أمراء بني أمية بالعلم والأدب وحرصهم على استجلاب التآليف المشرقية في مختلف العلوم والمعارف والآداب. وقد أقبل طلاب العلم على هذا التراث العلمي والأدبي ينهلون منه في حلقات شيوخهم ومجالسهم فيغنون به رصيدهم المعرفي ويقبسون منه حين يحلقون للإقراء أو يجلسون للتأليف.

تلك هي روافد الخطاب التربوي وموارده عند مسلمي الأندلس. كرّس الأولان، أي الكتاب والسنة، منظومة القيم الإيمانية والمثل الأخلاقية والمناهج السلوكية، وبلور الأخيران من مقاصد هذه المنظومة وغاياتها الحظ الوفير والنصيب الكبير.ولا شك أن تمثل الأندلسيين لمضامين هذه الروافد وإدراكهم لأهدافها إنما تهيأ لهم عبر قنوات معرفية وثقافية وخبرات نظرية وسلوكية. فكيف تم ذلك؟ وما الأساليب التربوية، والمناهج العلمية، والوسائل التعليمية التي أخذ بها الأندلسيون لإنجاز خطابهم التربوي وتحقيق غاياته؟إن الإجابة عن هذه الأسئلة وما قد يتفرع عنها هو مدار حديثنا ـ بحول الله تعالى ـ في الحلقة الثانية.



شوهد 13 مرة - تم إرساله 0 مرة



http://www.almarefh.org/news.php?action=show&id=3211
avatar
د. جمال بن عمار الأحمر
رئيس منظمة الشعب الأندلسي العالمية
رئيس منظمة الشعب الأندلسي العالمية

الجنس : ذكر
العمر : 57
تاريخ الميلاد : 22/02/1960
تاريخ التسجيل : 02/05/2009
عدد المساهمات : 2916
نقاط الشكر على الجدية الأندلسية : 3
نشاطه في منظمة ش الأندلسي ع : 4851
العمل/الترفيه : أستاذ جامعي. مؤسس في حركة إسلامية قوية في نهاية السبعينيات. وسياسي قديم. ومرشح برلماني سابق

http://www.andalus-woap.org

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الخطاب التـربـوي عنـد الأندلسيين، بقلم: حسن الوراكلي

مُساهمة من طرف د. جمال بن عمار الأحمر في الخميس 31 ديسمبر 2009, 15:51

الخطــاب التربوي عند الأندلسيين
(الحلقة الثانية)
حسـن الــوراكلــي
مكة المكرمة
مجلة المعرفة، تونس، العدد 69
تم إضافته يوم الخميس 27/08/2009 م
الموافق 7-9-1430 هـ
الساعة 1:23 صباحاً




من المعلوم أن أي خطاب تربوي لابد له كي يوصل فحواه ويبلغ مغزاه أن يعتمد (نظاماً) تعليمياً يمكنه من تحقيق غايته في صياغة وجدان مخاطبه وتشكيل عقليته وفق قيمه ومثله لتكون لثقافتها ـ أي القيم والمثل ـ بوجهيها النظري والإجرائي، أي بوصفها (معرفة) تجريدية و(ترجمة) تطبيقية لها، الهيمنة على (علم) المخاطب و(عمله) أي على ثقافته بوجهيها المذكورين آنفاً.

وبادئ ذي بدء ينبغي التذكير بأن الدعوة إلى عقيدة التوحيد وإلى القراءة أي المعرفة تلازما منذ اللحظات الأولى من نزول الوحي على قلب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وظلا كذلك متلازمين أثناء الفتوح الإسلامية لمختلف الأقطار في المشارق والمغارب ومن بعد الفتوح، وكذلك رأيناهما في الأندلس حين فتحها ومن بعد فتحها. أما حين الفتح فيتمثل فيما ألمحنا له من تصدرالفاتحين للأندلس من حملة كتاب الله تعالى وحفظة حديث نبيه (صلى الله عليه وسلم) لتعليم أبناء الجزيرة الذين اعتنقوا الإسلام أصول العقيدة وأمور الدين(1).

وأما بعد الفتح فيتجلى لنا، ومنذ فترة باكرة من حياة الأندلس الإسلامية، في هذه المساجد التي أسست على تقوى من الله ورضوان هنا وهناك من أرض الجزيرة حيث التحمت تحت سقوفها العبادة والمعرفة وتلازمتا على مر الحقب والعصور تبلور الصلوات، فريضتها والنوافل من رواتب وغير رواتب، مثل العقيدة وقيم الشريعة، وتكرس حلقات المعرفة الوعي بهذه وتلك في النفوس والعقول.ولاستثمار هذا التلاحم بين العبادة والمعرفة في التمكين للثقافة المنبثقة عنهما لدى المخاطب كان من الضروري إيجاد (نظام) تعليمي يتوسل بمختلف الآليات في إنجاز الفعل التربوي وتحقيق مقاصده وغاياته.وليس من شك في أن التعرف على النظام التعليمي يعتبر ـ كما يقرر علماء التربية ـ مدخلاً بالغ الأهمية للتعرف على تاريخ أي خطاب تربوي وتقويم آثاره ومعطياته.وإذا كان أي نظام تعليمي يتشكل من عناصر مادية وأخرى نظرية تتضافر جميعها في تأدية الخطاب التربوي المعتمد وبلورة أبعاده العقلية والعلمية والاجتماعية فإن الحديث عن نظام التعليم عند الأندلسيين يقتضي ـ شأن الحديث عن أي نظام تعليمي ـ الوقوف عند مكونات هذا النظام من أمكنة التعليم ومراحله ومناهجه ومقرراته وأساليبه وآداب المعلم والمتعلم، وهلم جراً.ونبدأ فنفرد أولها، وهو أمكنة التعليم، بالحديث في هذه الحلقة.عرف أهل الأندلس منها أنواعاً وأشكالاً كان في مقدمتها المسجد، فقد بادر الفاتحون والولاة إلى بناء المساجد ليعمرها من آمن بالله يؤدي فيها صلواته ويتلقى أصول عقيدته وأحكام شريعته. ومازالت المساجد ـ منذ أن بنى موسى بن نصير مسجد الرايات الإتقان فصار يحار فيه الطرف بالجزيرة الخضراء ـ(2) تتكاثر حتى انتهت (على أيام عبد الرحمن الداخل إلى أربعمائة وتسعين مسجداً) ثم(3) زادت بعد ذلك ـ كما يقول المقري ـ كثيراً حتى عدت في عصر الخلافة وما تلاها من عصور الآلاف(4)، بل ذكر بعضهم أن قرطبة وحدها اشتملت في هذا العصر على ما يقارب أربعة ألف مسجد(5).

ولا شك في أن اهتمام الأمراء المروانيين بابتناء المساجد وحرص رعيتهم على الاقتداء بهم في ذلك حتى وجدنا جواريهم يتولعن كذلك بابتنائها(6) كان له الأثر البعيد في الدفع بحركة التربية والتعليم إلى الأمام، وذلك لنهوض هذه المساجد ـ من أول يوم أسست فيه ـ بأداء رسالتها التربوية والتعليمية على أيدي الفقهاء والعلماء الذين كان بعضهم يجمع فيها بين الإمامة والإقراء، أو بين الخطبة والتدريس، أو بين هذه المهمات الثلاثة. ولدينا أمثلة كثيرة على ذلك نجتزئ منها بالإشارة إلى بعضها مثل؛

أبي القاسم خلف بن ابراهيم المعروف بابن النحاس (ت:511هـ) كان يقرئ في جامع قرطبة ويخطب في منابرها مدة طويلة(7).

ومثله أبو القاسم عبد الرحمن بن رضا (ت:545هـ) الذي كان يقرئ القرآن بالمقارىء الثالثة بجامع قرطبة ويخطب بها (8).

ومثلهما أبو القاسم عبد الرحمن بن أبي رجاء البلوي كان يتولى الإمامة والخطبة والإقراء بجامع المرية(9).

وعرفت حواضر الأندلس من هذه المساجد جوامع رحيبة الأبهاء وسيعة الأنحاء اعتبر جامع قرطبة واسطة عقدها، فقد (اهتم به الخلقاء المروانيون فزادوا فيه زيادة بعد زيادة وتتميماً بعد تتميم حتى بلغ الغاية ويعجز عن حسنه الوصف)(10)

واستقطبت حلقاته العلمية ـ على توالي عصوره ـ مشاهير الفقهاء وأكابر المحدثين ومبرزي علماء العربية يبثون فيها ما يحملون من علوم ومعارف وفنون، وذكر أسماء هؤلاء وأولئك هو يطول، لكن لا بأس من التمثيل له.

فبفضل حلقات الحافظ الراوية محمد بن وضاح (ت:287هـ)

والفقيه الإمام أبي الوليد محمد بن رشد (ت:520هـ)

والراوية المسند أبي الحسن علي بن عيسى الغافقي (ت:616هـ)

وأمثالهم، وهم كثير، في رحاب هذا الجامع غدت قرطبة (وطن أولي العلم والنهى وينبوع متفجر العلوم وقبة الإسلام ومقر السنة والجماعة)(11)

وهذا هو ما جعل الأندلسيين يعدون جامعهم القرطبي ثالث المساجد الجوامع على وجه الأرض:

ولم تكن جوامع بقية الحواضر من مثل إشبيلية وبلنسية ومرسية وغرناطة ومالقة وغيرها بأقل إسهاماً في الحركة التعليمية. فقد كانت جميعها تزدان بالشيوخ ذوي التفنن والاستبحار في العلوم والمعارف أمثال؛

أبي بكر بن العربي (543هـ) الذي كان يأخد عنه الطلبة الحديث والأصول والتفسير في جامع إشبيلية(14)

وأبي بكر أحمد بن جزي (ت:583هـ) وكان ينتصب لإقراء علمي الحساب والفرائض في جامع بلنسية(15)

وعبد الرحمن بن عبد الله الأزدي المرسي المعروف بابن برطلة (ت:599هـ) كان يقريء الحديث والفقه والعربية والأدب في جامع مرسية(16)،

وأبي الحسن علي بن عمر القيجاطي (ت:730هـ) أقرأ بمسجد غرناطة الأعظم العربية والأدب وغيرهما(17)،

وأبي سعيد فرج بن لب (ت:782هـ) كان يدرس بالمسجد المذكور الفقه والحديث والأصول وغير ذلك من فنون الأدب وعلوم اللسان(18)،

وأبو إسحاق إبراهيم بن فتوح العقيلي (ت:867هـ)كان يحلّق في الجامع نفسه يدرس فنوناً من العلم وبخاصه التفسير والحديث والمنطق والمعاني والبيان (19)،

ومحمد بن أحمد الغساني (ق8) كان يدرس الفقه وعلوم اللغة والفرائض في جامع مالقة(20)،

وأبي عبدالله محمد بن أحمد الجعدالة كان يقريء الفقه والأصول بالمسجد الأعظم في مدينة المرية(21)،

وحسين بن محمد الأنصاري (ت:563هـ) كانت له حلقة عظيمة يعلم فيها القراءات(22).

وإلى هذه المساجد الجوامع انتشرت في هذه الحواضر وفي غير هذه الحواضر من المدن والقرى أعداد كبيرة من المساجد لا سبيل إلى حصرها مثل مسجد العطارين، ومسجد ابن السقاء، ومسجد أبي داود سليمان بن داود بباب الجوز، ومسجد سرور، ومسجد المصحفي، ومسجد سلمة، ومسجد الزجاجين في قرطبة، ومن مثل مسجد الصباغين، ومسجد ابن الرماك، ومسجد ابن بقي، ومسجد عمر بن عدبس في إشبيلية، ومن مثل مسجد الكوثر وجامع البيازين، وجامع الحمراء في غرناطة، ومن مثل مسجد العطارين، ومسجد القاضي محمد بن سليمان الأنصاري المالقي، ومسجد القاضي عبد الله بن أحمد الوحيدي، ومسجد الغبار في مالقة، ومسجد رحبة القاضي، ومسجد ابن حزب الله في بلنسية، ومسجد الجنة في بسطة، ومسجد أيوب بن نوح الغافقي في شاطبة إلى أمثلة أخرى يتعذر حصرها كما ألمحنا.

ففي هذه المساجد وفي غيرها مما لم نذكر كان شيوخ العلم يحلّقون لإقراء فنونه وإسماع ضروبه في دروس حافلة نمثل لها؛

بدروس المقرىء أبي داود سليمان بن يحيى في القراءات بمسجده بقرطبة(23)،

ودروس الأستاذ الماهر النحوي أبي القاسم عبد الرحمن بن محمد الرماك في النحو واللغة والأدب بمسجده بإشبيلية(24)،

ودروس أحمد بن محمد الأنصاري في الفقه بمسجد العطارين بمالقة(25)،

ودروس أبي إسحاق إبراهيم بن فتوح في الفقه وغير الفقه، مما كان له به تمكن من علوم العربية والأدب بمسجد الكوثر بغرناطة(26).

وبمحاذاة المساجد وحولها استحدث الأندلسيون أمكنة قصروها على تعليم الأطفال والصبيان خاصة. ويظهر أن الباعث لهم على ذلك كان نابعاً من حرصهم على رعاية حرمة بيوت الله وكراهتهم أن يساء إليها، ولو بغير قصد، من قبل الصبيان الذين (لا يتحفظون من النجاسات بأرجلهم ولا من ثيابهم)(27) على حد تعبير ابن عبدون.

وقد كان الواحد من هؤلاء إذا عقل سارع أبواه فبعثا به إلى المكتب وكان ذلك تقليداً أخذ به أهل الأندلس واستحسنه علماؤهم(28).ومن أشهر ماعرفناه من المكاتب، وهذا هو الاسم الذي عرفت به أمكنة تعليم الصبيان، تلك التي بناها الخليفة الحكم المستنصر (حكمه) حول مسجد قرطبة الجامع وصورها ابن شخيص بقوله:كما ابتنى أزيد من عشرين مكتباً حول مساجد أخرى في أرباض قرطبة عين في هذه وتلك طائفة من المؤدبين يحفظون كتاب الله تعالى للصغار وبخاصة أبناء الفقراء.

وقد نوه ابن عذاري بصنيع الخليفة الحكم فقال: (ومن مستحسنات فعاله وطيبات أعماله اتخاذه المؤدبين يعلمون أولاد الضعفاء والمساكين القرآن حوالي المسجد الجامع وبكل ربض من أرباض قرطبة، وأجرى عليهم المرتبات وعهد إليهم في الاجتهاد والنصح ابتغاء وجه الله العظيم)(30).

ومثل هذه المكاتب كانت تنتشر في كافة أنحاء الأندلس، حواضرها وبواديها، وظلت كذلك إلى آخر عهد الأندلس بالحكم الإسلامي. فقد عرف عن سلاطين بني نصر ندب (الناس إلى تعليم القرآن لصبيانهم فذلك أصل دينهم)(31)، وعرف عنهم كذلك حرصهم ـ مع اشتداد الحملة الصليبية على غرناطة ـ على أن يظل (الصبيان في المكاتب تدرب على مواقف الشهادة وتعلم)(32).

في هذه المكاتب كان الصبيان يمضون أعواماً يتعلمون القراءة والكتابة ويستظهرون القرآن كتباً ثم حفظاً ثم تجويداً بحرف أو بأكثر من حرف حتى إذا حذقوا ذلك وأتقنوه أذن لهم مؤدبوهم في الانتقال إلى حلقات شيوخ العلم في المساجد والجوامع، وبذلك يطوون مرحلة تعليمية ويفتتحون أخرى.

ومن تمام الفائدة أن نشير هنا إلى أن الآباء كانوا يبتهجون غاية الابتهاج لاستظهار أبنائهم القرآن الكريم أو حفظهم بعض سوره فيحتفون بهم لذلك، ويقيمون لهم حفلاً يدعون إليه لداتهم وأصدقاءهم.

وقد صور لنا الشعر هذه الدعوة فيما كتب به ابن الخطيب إلى القاضي الشريف السبتي الغرناطي وقد استدعى أولاده إلى حذقة أحد أولاده:كما صور الشعر الذي جرت العادة عندهم بكتابته على لوح الصبي الحاذق المحتفى به مشاعر الصبي الحاذق على نحو ما نقرأ عند ابن الجياب في قوله: "ومن هذا الشعر ما قاله ابن الخطيب وكتب على لوح حاذق من أولاد سلاطين بني نصر".

على أن هذه المكاتب لم تكن، على كثرتها، لتفي باستقبال جموع الأحداث الذين كان آباؤهم لا يتوانون في بعثهم إليها بمجرد أن يعقلوا، لذا وجدنا بعض المؤدبين ينتصب لذلك في دكان على نحو ما صنع؛

إبراهيم بن مبشر البكري (ت:390هـ) الذي اتخذ من دكان له على مقربة من جامع قرطبة كتابا يقرئ فيه الصغار وينقط المصاحف (الصلة88:1) ،

بل وجدنا بعض هؤلاء المؤدبين، وخاصة منهم من كان صاحب صلاة، يجلس لتعليم الصبيان في ركن من أركان مسجد صلاته مثل؛

أحمد بن خلف الأموي (ت:399هـ) الذي (كان معلم كتاب وصاحب صلاة)(36).

ومن الواضح أن انتصاب المعلمين لإقراء الصبيان في المساجد مع ما كان من تحفظ بخصوص ذلك يكاد يبلغ درجة المنع لدى أولياء الأمر وأهل الحل والعقد دال على أمرين اثنين: أولهما: وفرة عدد الأطفال الذين كانوا يلتحقون، أرتالاً إثر أرتال، عاماً بعد عام بعد عام بهذه المكاتب حتى أصبحت، فيما نتصور، عاجزة عن استيعابها وهو ما ألجأ المؤدبين إلى اتخاذ الدكاكين وأركان بعض المساجد أمكنة لإقرائهم وتعليمهم. وثانيهما: وفرة عدد حفاظ القرآن العارفين بقراءاته وتجويده الذين كانوا يندبون أنفسهم للنهوض بهذه المهمة، يؤكد لنا ذلك، من جهة، ما حفلت به معاجم الرجال الأندلسية من أخبارهم، ومن أخرى، ما كان من شيوع المعرفة لدى مختلف فئات المجتمع بالقراءة والكتابة في المدن والقرى على حد سواء مما يعود بعض الفضل فيه أو جله إليهم.ويظهر مما بين أيدينا من أخبار العلم والعلماء في الأندلس أن اتخاذ الدكاكين للتعليم لم يكن مقصوراً على المؤدبين والمكتبين وإنما شاركهم في ذلك بعض شيوخ العلم والرواية مثل؛

الشيخ المحدث أبي الحجاج يوسف بن علي القضاعي الذي كان يقريء طلبة العلم،

ومنهم ابن خير الفاسي الإشبيلي، كتاب الخمسين مقامة للحريري بدكانه بحاضرة المرية(37).

على أنه إلى جانب المساجد والمكاتب أو الكتاتيب والدكاكين كانت ثمة أمكنة أخرى للتعليم وخصوصاً بعد مرحلة التهجي والتكتيب والتحفيظ وهي المنازل.ويمكننا أن نميز فيها صنفين:

أولهما: قصور ولاة الأمر والأمراء وأهل الحل والعقد.

وثانيهما: بيوتات العلماء والفقهاء.

أما الأولى فغالباً ما كان يؤتى إليها بمؤدبين اشتهروا بإقراء أبناء الأمراء وقصروا عملهم عليهم(38) حتى تنافس في بعضهم الملوك(39)، أو أنهم ـ أي أبناء الأمراء ومن لف لفهم ـ كانوا يتلقون تعليمهم على أيدي الجواري المتفقهات من أمثال أولئك اللائي علمن ابن حزم القرآن وروينه الأشعار ودربنه على الخط(40).

وأما الثانية فكان أبناؤها ـ أي أبناء العلماءـ أو بعضهم يتأدب بوالده ويتلقى معارفه الأولى على يديه، بل يتفقه عنده ويروي عنه قبل أن يختلف إلى حلقات الشيوخ خارج بيته. على أن من المفيد هنا أن نشير إلى أن بعض العلماء كان لا يقصر تعليمه في منزله على أولاده، بل كان يفتح بابه لمن يريد أن يأخذ عنه ما يحمل من معارف وعلوم مثل؛

ابن وضاح القرطبي(41)

والقاضي محمد بن عبد الحق بن عطية المحاربي الذي كان طلبة العلم يأتون إليه في منزله للأخذ عنه،

وقد عرفنا منهم ابن خير الفاسي الإشبيلي الذي قرأ عليه في منزله بالمرية عام 534هـ كتاب الملخص لمسند الإمام مالك للقابسي(42)

والفقيه النحوي أبي عبدالله محمد ابن سليمان المعروف بابن أخت غانم (ت:525هـ) الذي كان يسمع الطلبة في منزله بإشبيلية سنة 518هـ كتاب الهداية لأبي العباس المهدوي(43)،

وأبو زكريا يحيى بن عبد الرحمن القيسي الأصبهاني (ت:608هـ) الذي وفد على الأندلس من دمشق واستقر بغرناطة وكان يقريء في داره بعض الأجزاء الحديثية مثل جزء سفيان بن عيينة الهلالي(44)،

وأبي الربيع سليمان بن موسى الكلاعي الذي كان فيمن جلس إليه يقرأ عليه بمنزله في بلنسية عام 609هـ ابن الأبار(45)،

وفي مرسية كان الخطيب الحافظ أبو القاسم بن حبيش يستقبل الطلبة في داره ويقرئهم الموطأ برواية يحيى بن يحيى الليثي والتقصي لآثار الموطأ لابن عبد البر وأجزاء حديثية مختلفة(46).

وكان بعض الفقهاء والعلماء لا يقتصرون على إقراء الطلاب وإسماعهم في دورهم، بل كان منهم من يضيفهم على مائدته(47)، بل كان بعضهم يفسحون لهم في هذه الدور للإقامة معهم الشهور المتوالية حتى يقضوا مأربهم من الأخذ والرواية والسماع. ومثال ذلك؛

ما حدثنا به عبد الله بن سعيد بن أبي عون عن شيخه فقيه طليطلة أحمد بن سعيد بن كوثر الأنصاري، قال: «كنت آتي إليه من قلعة رباح وغيري من المشرق وكنا نيفاً على أربعين تلميذاً، فكنا ندخل في داره في شهر نونبر ودجنبر وينير في مجلس قد فرش ببسط من الصوف مبطنات والحيطان باللبود من كل حول، ووسائد الصوف، وفي وسطه كانون في طول قامة الإنسان مملوء فحماً يأخذ بدفئه كل من في المجلس. فإذا فرغ الحديث أمسكهم جميعاً وقدمت الموائد عليها ثرائد بلحوم الخرفان بالزيت العذب، وأياماً ثرائد اللبن بالسمن أو الزبد فنأكل من تلك الثرائد حتى نشبع منها. ويقدم بعد ذلك لوناً جديداً ونحن قد روينا من ذلك الطعام. فكنا ننطلق قرب الظهر مع قصر النهار ولا نتعشى حتى نصبح إلى ذلك الطعام الثلاثة أشهر فكان ذلك كرماً وفخراً لم يسبقه أحد من فقهاء طليطلة إلى تلك المكرمة»(48).

وإلى هذه الأمكنة مكانان آخران لم يكن القصد من بنائهما أن يعلم فيهما، ولكنهما وبحكم طبيعة رسالتهما الإحسانية والدينية كان لهما إسهام في نشر العلم وتوعية روادهما بنفعه، ذاناك هما السقائف والرباطات.

أما الأولى فهي مبان كانت تقام بمقربة من المسجد الجامع لإيواء الغرباء وأبناء السبيل، غير أنها إلى ذلك كانت ـ فيما يبدوـ تنهض بدور تربوي وعلمي على يد فقيه يجلسه القاضي (يعلم الناس مسائل الدين ويعظهم ويعلمهم الخير)(49).

أما الرباطات أو الأربطة فهي مبان حصينة منيعة كانت تشيد على السواحل والثغور والحدود لإيواء الذين يتولون الحراسة والدفاع عن أراضي المسلمين وكانت، إلى ذلك، تؤوي المسافرين وأبناء السبيل. وقد دعا اجتماع هؤلاء وأولئك في هذه الأربطة، وهم في الأغلب أهل دين وفضل وصلاح، إلى عقد مجالس تعليم وإقراء ووعظ وإرشاد. وبذلك أسهمت هذه الأربطة في حركة التربية والتعليم والوعي الديني بين فئات مختلفة من أبناء المجتمع الأندلسي وبخاصة من كان منهم يرابط للجهاد والعبادة. ونمثل لهده الأربطة برباط جبل فاره المطل على ساحل أبحر بالقرب من مالقة ورباط الغبار ورباط كشكي ورباط كشطالي بالقرب من طرطوشة(50).

ظلت الأمكنة سالفة الذكر يتلقى فيها الأندلسيون العلوم والمعارف الشرعية وغير الشرعية ولم يكن لهم، على مدى قرون متوالية، (مدارس تعينم على طلب العلم، بل يقرأون جميع العلوم في المساجد)(51) وفي الأمكنة التي عرفنا، ذلك أن المدارس التي ظهرت أول مرة في الشرق الإسلامي وفي نيسابور بالذات خلال القرن الرابع الهجري ثم انتشرت في مختلف الأقطار الإسلامية ومن بينها بعض أقطار الغرب الإسلامي والمغرب الأقصى على وجه الخصوص لم تعرف بالأندلس إلا في منتصف القرن الثامن الهجري على يد؛

السلطان النصري أبي الحجاج يوسف بن الأحمر (ت755هـ) الذي شيد في غرناطة حاضرة ملكه (المدرسة العجيبة بكر المدراس) (51)، على غرار المدارس التي بناها سلاطين بني مرين في فاس بالمغرب. وبذلك اعتبر هذا السلطان أول من خرج عن التقاليد الأندلسية في مجال التعليم كما يقول المستعرب الإسباني إميليو غرسية غومث(52).

غير أن بعض الباحثين الإسبان يرون أن الأندلسيين عرفوا المدارس قبل مدرسة غرناطة هذه بمدة غير يسيرة، وذلك حين دعا السلطان أبو عبد الله محمد الملقب بالفقيه (671-701 هـ) من مرسية الفقيه محمد بن أحمد الرقوطي وكان يقريء بها في مدرسة ألفونصو (الأمم بألسنتهم ـ وكان آية الله في المعرفة بالألسن ـ فنونهم التي يرغبون في تعلمها)(52م) لينتصب للتدريس بغرناطة في مكان أعد له في أعدل بقعة من الحضرة. فكان الطلبة يغشون فيتعلمون عليه الطب والتعاليم وغيرها وكان لا يجارى في ذلك(53).

وليس بين أيدينا ما يدل على أن المكان الذي أعد للفقيه الرقوطي كان على شاكلة المدرسة النصرية وإنما هو ـ حسب ما يفهم من كلام ابن الخطيب ـ منزل أسكنه فيه السلطان وجعل له جناحاً أو غرفة منه لإقراء الطلبة العلوم التي كان يتقنها، وهو بهذا لا يقدم ولا يؤخر في الموضوع. فمن قبل تاريخ جلوس الرقوطي للتدريس في جناح منزله بقرون كان شيوخ العلم من فقهاء ومحدثين وعلماء عربية وغيرها الذين أسلفنا الإشارة إلى جلوسهم في دورهم للتعليم كانوا يخصصون إحدى غرفاتها لذلك(54).

كما ذهب باحثون إسبان كذلك إلى أن مالقة عرفت في العقود الأولى من القرن الثامن الهجري قبل غرناطة مدرستين اثنتين:

إحداهما شيدت بصحن البرتقال من مسجد مالقة الجامع(55)،

وأخرى بنيت في الجانب الغربي من الجامع نفسه(56).

ومهما يكن من شيء فإن أشهر ما عرفته الأندلس من مدارس فهي المدرسة التي بناها السلطان أبو الحجاج والتي جاءت (نسيجة وحدها بهجة وصدراً وظرفاً وفخامة)(57)، وغدت إلى جانب المسجد الأعظم الجامع (أنوه مواضع التدريس بغرناطة)(58) أغنت طلاب العلم والهدى عن الارتحال والظعن في طلبهما، وهو ما عبرت عنه أبيات الشعر التي كتبت على بابها:وهذه المزايا نفسها كانت هي التى أوحت لشاعر آخر قوله فيها:وقد تصدر للإقراء بهده المدرسة أعلام المشيخة العلمية بالحضرة، وهم الذين ينوه بهم الشاعر على لسانها:وهؤلاء المنوه بهم من شيوخ العلم في هذه المدرسة كانوا جميعاً من جهابذة الأساتيذ وفطاحلة العلماء أمثال؛

الفقيه أبي محمد بن جزي (ت:757هـ) الذي كان في دروسه بها (يعرب فيغرب يباهى به على المشرق والمغرب)(62)،

والفقيه أبي القاسم فرج بن لب (ت:780هـ) الذي كان بقيامه على علوم عديدة ومشاركته في فنون مختلفة (لتدريسها ملازماً وعلى نهج تبيانها جارياً)(63)،

ويحيى بن أحمد بن هذيل التجيبي (ت:753هـ) أقرأ بالمدرسة الأصول والفرائض والطب(64)، ولعله أقرأ غير هذه مما كان يجيد من علوم مثل الهندسة والهيئة والحساب،

وأبي عبدالله محمد الجعدالة (ت:897هـ) وكان إلى علمه الواسع بالفقه يقوم على علوم العربية خير قيام، وكان يتولى بالمدرسة إقراء كتاب الإيضاح لأبي علي الفارسي.(65)

ومن غير الغرناطيين محمد بن أحمد بن مرزوق التلمساني (ت:771هـ) عرف ببراعته في الفقه واتساعه في الرواية وقد أسمع طلبة العلم في المدرسة من كتب الحديث موطأ الإمام مالك وصحيح البخاري(66)،

ومنصور بن علي بن عبدالله الزواوي كان على معرفة بالعلوم العقلية إلى جانب العلوم النقلية، وقد تصدر بالمدرسة لإسماع بعض ما كان يتقن من علوم كالأصول والجدل والفقه والتفسير(67).

فعلى أيدي هؤلاء الأساتيذ والشيوخ وأمثالهم تخرج في هذه المدرسة وتدرب وأجيز طلاب العلم في غرناطة وفي غير غرناطة ممن كانوا يفدون عليها من مختلف الآفاق. وعلى أيديهم استمرت الحركة التعليمية والتربوية والعلمية نشطة بالرغم مما كان يعرفه القطر من أخطار تتهدد وجوده وتتربص به الدوائر.تلك هي أمكنه التعليم التي عرفتها الأندلس، وفيها تلقى أبناؤها مختلف المعارف والعلوم والفنون، ومنها تخرج مشاهير علمائهم وفقهائهم وأدبائهم وقد وعوا مضامين الخطاب التربوي ومقاصده الذي لقنوه من قبل مدرسيهم وشيوخهم فكان له آثاره على علمهم وعملهم.

شوهد 97 مرة - تم إرسالة 0 مرة

http://www.almarefh.org/news.php?action=show&id=3165
avatar
د. جمال بن عمار الأحمر
رئيس منظمة الشعب الأندلسي العالمية
رئيس منظمة الشعب الأندلسي العالمية

الجنس : ذكر
العمر : 57
تاريخ الميلاد : 22/02/1960
تاريخ التسجيل : 02/05/2009
عدد المساهمات : 2916
نقاط الشكر على الجدية الأندلسية : 3
نشاطه في منظمة ش الأندلسي ع : 4851
العمل/الترفيه : أستاذ جامعي. مؤسس في حركة إسلامية قوية في نهاية السبعينيات. وسياسي قديم. ومرشح برلماني سابق

http://www.andalus-woap.org

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى